أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
587
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وخاضوا في بحار العلوم بالفهم لطلب الزيادة ، فانكشف لهم من ذخائر خزائن الغيب تحت كل حرف من كتاب اللّه وآية من كلام اللّه عجائب الإدراكات الوهبية ، فنطقوا بالحكمة البالغة والألفاظ السابغة . أولئك حزب اللّه ، أولئك حزب اللّه ، أولئك حزب اللّه . وقال بعض التابعين : أسرار اللّه تعالى لا يبديها إلا لأمناء أوليائه من غير سماع ولا دراسة . وكان الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه يقول : شاركنا الفقهاء فيما هم فيه ولم يشاركونا فيما نحن فيه . وكان أكثر كلامه في العقل الأكبر ، والاسم الأعظم ، وشعبه الأربع ، ودوائر الأولياء ، ومقامات الموقنين ، والأملاك المقربين ، وعلوم الأسرار ، وأمداد الأذكار ، ويوم المقادير ، وشأن التدبير ، وعلم البدء ، وعلم المشيئة ، وشأن القبضة ، ورجال الغيب ، وعلوم الأفراد ، وأخبار القيامة ، وهذا كله من العلم المخزون . وأما الصون الذي طلب ، فهو صيانة من رؤية الأغيار ، أو الوقوف مع الأنوار ، دون معرفة الواحد القهار ، واسمه المصون هو اسم اللّه الأعظم ، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى . وسره هو ظهور تصرفه فيما طلب به ، واللّه تعالى أعلم . ثم إذا تحقق الصون من الأغيار دخل القلب في حضرة الأسرار ، وهي حضرة المقربين من السالكين والمجذوبين ؛ كما أبان ذلك في المناجاة الثالثة والعشرين بقوله : 366 - إلهي حققني بحقائق أهل القرب ، واسلك بي مسالك أهل الجذب . قلت : الحقائق جمع حقيقة ، وهي إدراك معرفة الأشياء على ما هي عليه بالأصالة ، وحقائق أهل القرب هي علومهم ومعارفهم وأذواقهم وكشوفاتهم ، وأهل القرب هم المقرّبون ، سواء [ أكانوا ] من أهل المراقبة الكاملة [ أم ] المشاهدة [ أم ] المكالمة ، فالقرب يتفاوت بتفاوت السير والتصفية ؛ فيكون أولا مراقبة ، ثم شهودا ووصولا ، ثم محوا أو اضمحلالا ، ثم بقاء وتنزلا ، وهذا يكون